ابن أبي أصيبعة
303
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
يدك يد لأحد من المخلوقين وأنك مالك لكل ما تريده قادر على أن تفعله أي وقت أردته لا يتهيأ لأحد من المخلوقين منعك منه ولا لأن يحول بينك وبين ما تهواه أي وقت أردته وأنك متى أردت شيئا بلغته أي وقت شئت لا يفوتك أمر تريده واعلم أن الغضب والغيظ والحرد تحدث في الإنسان سكرا أشد من سكر النبيذ بكثير فكما أن الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ ما لا يعقل به ولا يذكره إذا صحا ويندم عليه إذا حدث به ويستحيي منه كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ بل أشد فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر عن يدك فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد وقد قيل من لم يخف فوتا حلم فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضبك فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب وقد قيل إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك وقدم أمر الله عز وجل أولا والخوف منه وترك التعرض لسخطه ولا تشف غيظك بما يؤثمك فقد قيل ما شفى غيظه من أثم بربه واذكر قدرة الله عليك وأنك محتاج إلى رحمته وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شرا ولا نفعا ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين ولا يكشف ما قد أظلك غيره عز وجل واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون وأنك مثلهم تغلط وتخطئ وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك فكما تحب أن يغفر الله لك كذلك غيرك يؤمل عطفك وعفوك وفكر بأي ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك وما يتوقعه من عقوبتك ويخافه من سطوتك واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور وزوال الرعب عنه بعفوك ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك واذكر قول الله تعالى وليعفوا وليصحفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو ويكفي فيه العتاب والتوبيخ والعذل والتهديد متى وقعت معاودة فلا تتجاوز ذلك واعف واصفح فإنه أحسن بك وأقرب إلى الله تعالى والله سبحانه يقول وإن تعفوا فهو أقرب للتقوى وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة ولا قصرت بك القدرة وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين ويفسد به أمرك ويقبح عند الناس ذكرك فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة ثم يصير عادة لك وخلقا وسجية ويسهل عليك فاستحسن بحكم ذلك ووعد أن يفعله وما زالت أخلاقه تصلح ووالدي ينبهه على شيء شيء مما ينكره منه من أخلاقه وأفعاله ويرشده إلى طريق إزالته إلى أن لانت أخلاقه وكف عن كثير مما كان يسرع إليه من القتل والعقوبات الغليظة واستحلى واستطاب ما كان يشير عليه من استعمال العدل والإنصاف ورفع الظلم والجور ويستصوبه ويعمل به فإنه كان يبين له أن العدل أربح للسلطان من الظلم بكثير وأنه يحصل له به دنيا وآخرة وإن مواد الظلم وإن كثرت